
17/06/2025
- هل أنت طيب أم ضحية طيبتك؟!...
مالك شارداً، متذبذباً، هائماً بعيناك هنا وهناك.، وكأنك تستغيث من الداخل...
أفقدت شمعه نورك؟!!.، أم أنت خائف أن تضل الطريق فتخسر الحاضر والمستقبل كما خسرت الماضي؟!....
تعال لنجلس قليلاً ياصديق الدرب، ففي سوق الحياة الواسع، حيث تتلاقى الأرواح وتتعانق النوايا، هناك من يسير بدافع طيبته، يوزع حُسن الظن كالعطر على المارة، ويمنح العفو لمن يخطئون، ويبتسم لمن يخذلونه، كأنه شجرة تُثقلها الثمار فتنحني تواضعاً.، لكنه في غمرة هذا السخاء العاطفي، قد لا يدرك أن في الأعماق خزائن أخرى لم يلتفت إليها.، تلك الخزائن هى خزائن الإحتياجات النفسية، والحدود الذاتية، والعناية بالروح الجريحة.
إن الطيبة، ياعزيز الروح كالنهر الرقراق، تشفي العطاشى لكنها إن أغرقت نفسها في كل أرض بلا وعي، تفقد مجراها وتتحول إلى مستنقع من الحزن الصامت..
فحين يتجاهل الإنسان دوافعه النفسية، ينبت في قلبه ذلك التآكل الخفي، الذي لا يُرى في المرايا، ولا يُسمع في الضحكات، لكنه يأكل رويداً رويداً جدران القلب من الداخل.
إن دوافعنا الطيبة حين لا تتزن مع وعي إحتياجاتنا، تصبح كملاك أعمى، يحمل الجمال لكنه لا يرى إتجاه الريح.
أحياناً نقول: "أنا أسامح لأنني طيب"
ولا نسأل: "لماذا أكرر مسامحة من يؤذيني؟!!"
وأحياناً نقول: "أنا أعطي بلا حساب"
ولا نتساءل: "هل أعطي لأشعر بأنني مقبول؟!!.، هل أخشى أن يُرفض حبي إن وضعت حدودي؟!!"
ياعزيز النفس، من لا يعرف حاجاته النفسية، يصبح أسير جهل ناعم، يبرر التضحية الزائدة بأنها تسامح، ويبرر تحمله للمهانة بأنه صبر، ويبرر نزف مشاعره بأنه نُبل، وهو في الحقيقة يهرب من مواجهة فراغ داخلي، أو جوع قديم للأمان، أو خوف دفين من فقدان الحب.
أنت تعلم جيداً أننى لا أحب العابسين بجواري، لذلك قليلاً من الإبتسام لن يضر عضلات وجهك، وأبشر فقد يأتى المطر..
إسمعني جيداً..
إن النفس مثل الطفل اليتيم، إن لم تحتضنه أنت، سيبحث عن صدر بديل في كل عابر سبيل.، وإن الاحتياجات النفسية كالشعور بالأمان، بالتقدير، بالإنتماء، بالحرية، بالقبول، إن لم نعترف بها، تصبح كالنار تحت الرماد، تحرقنا من الداخل بصمت، بينما نظهر للناس بوجه المحبة المصطنعة.
آما عن التآكل الذاتي لا يبدأ بالصراخ، بل بالسكوت..
لا يبدأ بالخذلان، بل بالإحتمال المفرط..
لا يبدأ بالجرح، بل بإخفاء الجرح تحت إبتسامة كي لا يُقال عنك إنك أناني أو حساس أو ضعيف..
وهكذا ينصحك القطيع الرجعي يومياً، ولهءا قد شاخت روحك، رغم شباب جسدك، لأنك فقدت التوازن بين الرحمة للآخرين والرحمة للنفس.
ياصديق الدرب، ليست الطيبة أن تعطي الآخرين كل ما عندك، بل أن تعطيهم بحكمة دون أن تُفني ذاتك..
وليست المغفرة أن تمحو أخطاءهم بلا حد، بل أن تغفر لهم وأنت في سلام داخلي لا في نزيف داخلي..
وليست التضحية أن تذوب في الآخر، بل أن تعرف متى تتقدم ومتى تتراجع كي لا تُفقد نفسك..
تعال، دعني أضع بين يديك حكمة للطريق، فما زال طريقك طويلاً...
"كن رحيماً بنفسك كما ترجو أن تكون رحيماً بالناس، وكن واعياً بإحتياجاتك كما تصغي لإحتياجات أحبابك.، فمن عرف ذاته لم يعد فريسة للتآكل الداخلي ولا رهينة لعواطف طائشة، بل صار مالكاً لمملكة روحه، حيث الطيبة عقل، والمسامحة وعي، والعطاء إختيار لا هروب."
وأنت يامن تقرأ الآن.، لا تجعل طيبتك مطية لجهلك بنفسك.،
ولا تجعل تسامحك جسراً يمشي عليه من يسرق نورك ثم ينكر خيرك.، ولا تجعل عطائك سلاحاً يذبحك تحت اسم الفضيلة..
فإن للروح حدوداً إن لم تصنها، ذابت كما يذوب الملح في البحر.، وللنفس حقوقاً إن لم تعرفها، صرخت فيك ألماً في صورة أمراض الجسد، وحزن القلب، وخذلان العلاقات.
وتذكر جيداً طالما كنت حياً "إن النور الحقيقي هو نور من يعرف موضع الظلمة في داخله فيضيئها."
فتعلم أن تحتضن ذاتك قبل أن تحتضن العالم، وأن تستأذن روحك قبل أن تفتح أبواب العطاء، وأن تمنح دون أن تنسى أن تسقي قلبك أولاً، فإن الجسد الذي يُجوع روحه في سبيل الآخرين، يصبح يوماً مجرد هيكلٍ جميل منهك، بينما الرحمة الحقة تبدأ من الداخل، ثم تفيض كما يفور النبع الصافي بعد إمتلائه.
Dr. Ahmed Abd El-Atty